تأهل المنتخب السعودي إلى كأس العالم 2026
يُعد تأهل المنتخب السعودي إلى كأس العالم 2026 حدثًا تاريخيًا جديدًا في مسيرة “الأخضر” الذي واصل حضوره المميز في كبرى المحافل الدولية، مؤكّدًا مكانته كأحد أعمدة الكرة الآسيوية وأحد المنتخبات الأكثر استقرارًا على المستوى القاري. هذا التأهل جاء ثمرة عمل متواصل امتد لسنوات، تخللته مراحل من الإعداد الفني والإداري والبدني، ومباريات حاسمة أظهرت شخصية المنتخب وقدرته على تجاوز التحديات.
منذ انطلاق التصفيات الآسيوية المؤهلة إلى المونديال، أظهر المنتخب السعودي نية واضحة في فرض هيمنته على مجموعته. بقيادة فنية مميزة، وإدارة رياضية وفرت كل الإمكانات، بدأ الأخضر مشواره بثقة عالية، مستفيدًا من الخبرات المتراكمة لدى لاعبيه الذين خاضوا مونديال قطر 2022، ومن الدماء الشابة التي ضُخت في صفوف الفريق خلال السنوات الأخيرة. وقد جمع المنتخب بين عناصر الخبرة ممثلة في أمثال سلمان الفرج وياسر الشهراني وسالم الدوسري، وبين الحماس والطموح الذي أظهره اللاعبون الصاعدون من الجيل الجديد.
في المرحلة الأولى من التصفيات، تصدر المنتخب مجموعته بجدارة، مقدّمًا أداءً متوازنًا بين الدفاع والهجوم. تميز الفريق بقدرته على السيطرة على مجريات اللعب، وبتنظيمه التكتيكي العالي، خاصة في المباريات خارج الديار. اللافت أن الأخضر لم يعتمد فقط على الفرديات، بل على العمل الجماعي المنضبط، حيث ظهرت بصمة المدرب في التوازن بين الخطوط الثلاثة. وتمكن المنتخب من تحقيق نتائج إيجابية أمام منتخبات قوية مثل اليابان وأستراليا، مؤكداً أن طموحه لا يقتصر على التأهل فحسب، بل على الوصول إلى المونديال بثوب المنافس لا المشارك.
أما في المرحلة النهائية من التصفيات، فقد واجه المنتخب السعودي تحديات أكثر صعوبة، خصوصًا مع ضغط المباريات وتنوع المدارس الكروية الآسيوية التي واجهها. ومع ذلك، أظهر المنتخب نضجًا تكتيكيًا واضحًا، حيث تعامل المدرب مع كل مباراة بواقعية، مراعياً الفوارق الفنية والبدنية. اعتمد الأخضر على أسلوب ضغط متوازن، مع سرعة التحول من الدفاع إلى الهجوم، وهو ما مكّنه من تحقيق نتائج حاسمة، خصوصًا أمام منتخبات كانت تنافس على بطاقات التأهل المباشر.
في تلك المرحلة، برز عدد من النجوم الذين لعبوا دورًا حاسمًا في مشوار التأهل. سالم الدوسري، الذي واصل تألقه اللافت، كان مصدر الخطورة الدائم من الأطراف، وسجل أهدافًا مؤثرة في لحظات حرجة. كما أثبت محمد العويس مرة أخرى أنه أحد أفضل حراس القارة، بتصدياته الحاسمة التي أنقذت الأخضر في أكثر من مناسبة. أما علي البليهي وحسان تمبكتي فقد شكلا صخرة دفاعية يصعب اختراقها، بينما أظهر سعود عبد الحميد تطورًا كبيرًا في أدائه الدفاعي والهجومي على حد سواء.
كذلك، ساهمت مشاركة اللاعبين في المنافسات المحلية القوية، مثل دوري روشن السعودي، في رفع المستوى الفني والبدني لهم، خصوصًا مع وجود محترفين عالميين في الأندية السعودية مما عزز من خبرتهم. هذا الاحتكاك اليومي مع نجوم عالميين منح لاعبي المنتخب نضجًا تكتيكيًا وسرعة في اتخاذ القرار، وهو ما انعكس بشكل واضح على الأداء في التصفيات.
على المستوى الفني، اعتمد الجهاز الفني بقيادة المدرب الإيطالي روبرتو مانشيني (أو المدرب الحالي حسب التوقيت المفترض للتقرير) على فلسفة تقوم على السيطرة على الكرة، وبناء الهجمات من الخلف، مع منح الحرية للأظهرة في التقدم. كما تم التركيز على المرونة التكتيكية، حيث لعب الأخضر بعدة أساليب تبعًا للمنافس، فكان يعتمد أحيانًا على 4-3-3 وأحيانًا أخرى على 4-2-3-1، مما أربك الخصوم وأعطى الفريق ميزة التكيف مع ظروف المباريات.
ولم يكن طريق التأهل مفروشًا بالورود، فقد واجه المنتخب بعض اللحظات الصعبة، خاصة بعد التعادلات غير المتوقعة في بعض المباريات، والإصابات التي طالت لاعبين مؤثرين. إلا أن روح الفريق والانسجام الكبير بين اللاعبين كانت عاملًا حاسمًا في تجاوز تلك العقبات. فالأخضر أظهر شخصية البطل، لا ينهار تحت الضغط، بل يزداد قوة مع كل تحدٍ جديد.
إضافة إلى ذلك، كان الدعم الجماهيري الواسع عاملاً مؤثرًا في مسيرة المنتخب. الجماهير السعودية لم تتوانَ في مؤازرة الأخضر سواء داخل المملكة أو خارجها، وخلقت أجواءً حماسية دفعت اللاعبين لبذل أقصى ما لديهم. هذا التلاحم بين الجمهور والمنتخب شكل لوحة وطنية جميلة، أكدت أن كرة القدم في السعودية ليست مجرد رياضة، بل شغف وانتماء وهوية وطنية.
أما على الصعيد الإداري، فقد لعب الاتحاد السعودي لكرة القدم دورًا محوريًا في تجهيز المنتخب بأفضل صورة، من خلال التخطيط المبكر وتوفير معسكرات عالية الجودة، ومباريات ودية مع منتخبات عالمية، ما ساهم في رفع جاهزية الفريق. كما أن الاستقرار الإداري ساعد الجهاز الفني على تنفيذ خططه دون ضغوط خارجية، وهو ما انعكس إيجابًا على أداء اللاعبين.
وبعد حسم بطاقة التأهل رسميًا، عمّت الفرحة أرجاء المملكة، واعتبر هذا الإنجاز استمرارًا لمسيرة من النجاحات التي بدأت منذ أول مشاركة للأخضر في مونديال 1994، حين وصل إلى دور الـ16 وترك بصمة تاريخية. واليوم، ومع الجيل الجديد من اللاعبين، يطمح السعوديون إلى تكرار ذلك الإنجاز وربما تجاوزه، خاصة في ظل التطور الكبير الذي تشهده الكرة السعودية من حيث البنية التحتية والاحترافية في العمل الإداري والفني.
تأهل الأخضر إلى كأس العالم 2026 لا يمثل فقط إنجازًا رياضيًا، بل يعكس رؤية المملكة في تطوير الرياضة كجزء من مشروع وطني شامل. فالمنتخب أصبح واجهة مشرفة للمملكة في المحافل الدولية، ورمزًا لتطور كرة القدم السعودية التي باتت تنافس بقوة على المستويين الآسيوي والعالمي.
في الختام، يمكن القول إن هذا التأهل جاء مستحقًا بكل المقاييس، فهو نتيجة جهد جماعي متكامل بين الاتحاد واللاعبين والجماهير، وتعبير عن عمل منظم وخطط بعيدة المدى. المنتخب السعودي يدخل المونديال السادس في تاريخه بطموح مختلف، لا يهدف إلى المشاركة فحسب، بل إلى تقديم أداء يليق باسم المملكة ومكانتها الكروية المتنامية. إنها لحظة فخر جديدة تُضاف إلى سجل الأخضر، وتؤكد أن الحلم السعودي لا يتوقف عند التأهل، بل يمتد إلى المنافسة وصناعة المجد العالمي.

تعليقات
إرسال تعليق
شاركنا رأيك