صفقة انتقال المهاجم الأوروغوياني داروين نونيز إلى نادي الهلال السعودي تُعد من أبرز وأضخم الصفقات في تاريخ كرة القدم السعودية خلال السنوات الأخيرة، حيث حملت أبعادًا فنية واقتصادية كبيرة، ووضعت الفريق الأزرق في دائرة الضوء العالمية مجددًا، بعد سلسلة من التعاقدات الضخمة التي جعلت منه أحد أكثر الأندية العربية جذبًا للنجوم الأوروبيين في القارة الآسيوية.
منذ بداية سوق الانتقالات الصيفي لعام 2025، كانت إدارة الهلال تبحث عن مهاجم صريح من الطراز العالي لتعويض غياب القوة التهديفية التي افتقدها الفريق في بعض المباريات الموسم الماضي، رغم امتلاكه لنجوم كبار في خط الوسط والهجوم. وبعد دراسة دقيقة للسوق الأوروبي، وقع الاختيار على نونيز الذي كان يعيش فترة صعبة مع نادي ليفربول الإنجليزي، حيث فقد مركزه الأساسي في التشكيلة تحت قيادة المدرب الهولندي أرني سلوت، الذي لم يعتمد عليه سوى في مباريات محدودة. هذا التراجع في المشاركة جعل اللاعب منفتحًا على فكرة الرحيل، خصوصًا بعد تلقيه عرضًا مغريًا من الهلال.
تأتي صفقة نونيز كجزء من مشروع الهلال الجديد تحت قيادة المدرب الإيطالي سيموني إنزاغي، الذي يسعى إلى بناء منظومة هجومية متكاملة قادرة على المنافسة في جميع البطولات، بما فيها دوري أبطال آسيا وكأس العالم للأندية. نونيز بقدراته البدنية وسرعته العالية في اختراق الدفاعات، يمثل النموذج المثالي للمهاجم الذي يناسب فلسفة إنزاغي القائمة على الهجمات السريعة والتحولات المفاجئة من الدفاع إلى الهجوم.
أما من الناحية المالية، فقد بلغت قيمة الصفقة ما يقارب 65 مليون يورو، وهي واحدة من أغلى الصفقات في تاريخ الدوري السعودي. وتشير التقارير إلى أن اللاعب سيحصل على راتب سنوي يتراوح بين 20 إلى 24 مليون يورو، أي ما يعادل أكثر من 90 مليون ريال سعودي سنويًا، ليكون من بين أعلى اللاعبين أجرًا في المنطقة. العقد يمتد لثلاث سنوات مع إمكانية التجديد لموسم رابع إذا تحقق الاتفاق بين الطرفين.
هذه الأرقام الضخمة تؤكد مدى جدية الهلال في استقطاب لاعبين عالميين قادرين على إحداث الفارق الفني والتسويقي في الوقت نفسه، فداروين نونيز يتمتع بشعبية واسعة في أوروبا وأمريكا الجنوبية، ووجوده في الفريق يضيف بُعدًا إعلاميًا وتسويقيًا كبيرًا للنادي.
من زاوية أخرى، يمكن القول إن نونيز كان بحاجة ماسة إلى بداية جديدة بعد موسمين متقلبين مع ليفربول. فعندما انضم إلى الفريق الإنجليزي عام 2022 قادمًا من بنفيكا البرتغالي مقابل 75 مليون يورو، كان يُنظر إليه على أنه خليفة المهاجم السنغالي ساديو ماني، إلا أن الضغوط الجماهيرية والإعلامية كانت كبيرة عليه. ورغم تسجيله لأهداف مؤثرة، إلا أن تذبذب مستواه وعدم قدرته على التأقلم مع أسلوب اللعب في الدوري الإنجليزي جعلاه يفقد مكانه تدريجيًا لصالح لاعبين آخرين. لذلك، جاء انتقاله إلى الهلال كفرصة جديدة لإثبات قدراته وإعادة اكتشاف نفسه في بيئة أقل ضغطًا وأكثر دعمًا من الجماهير والإدارة.
في المقابل، استفاد ليفربول من الصفقة من الجانب المالي، إذ مكنته من توفير مساحة في الرواتب وتحصيل مبلغ مهم يساعده في إبرام صفقات أخرى لتدعيم الفريق. إدارة الريدز كانت تدرك أن الاحتفاظ بلاعب غير سعيد وغير مشارك بانتظام لن يكون مفيدًا لا فنيًا ولا اقتصاديًا، لذا تم الاتفاق سريعًا مع الهلال على بيع عقده بشكل نهائي.
أما على الصعيد الفني، فيُنتظر أن يشكل نونيز إضافة كبيرة لخط الهجوم الهلالي الذي يضم أسماء مميزة مثل مالكوم وميتروفيتش وسافيتش وروبن نيفيز. من المتوقع أن يعتمد إنزاغي على نونيز كمهاجم أساسي في تشكيلته، مع إمكانية توظيفه كمهاجم ثانٍ أو جناح هجومي في بعض المباريات، نظرًا لقدرته على اللعب في أكثر من مركز هجومي. كما أن مهارته في الضغط العالي وسرعته الكبيرة تجعله خيارًا مثاليًا في أسلوب الهلال الذي يعتمد على الاستحواذ والهجوم المكثف.
ردود الفعل على الصفقة كانت كبيرة في الأوساط الرياضية السعودية والعالمية. جماهير الهلال عبرت عن سعادتها العارمة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، معتبرة أن النادي لا يزال يسير بثبات في طريق العالمية، بعد أن نجح في التعاقد مع أسماء أوروبية بارزة خلال الموسمين الأخيرين. الصحف الأوروبية أيضًا سلطت الضوء على الصفقة، ووصفتها بأنها “نقلة نوعية” في مسار الدوري السعودي الذي أصبح وجهة مرغوبة لكبار نجوم أوروبا، بعد انتقالات مثل رونالدو، بنزيمة، نيمار، والآن داروين نونيز.
كما أن وجود نونيز سيمنح الهلال تنوعًا تكتيكيًا في الهجوم، فالمهاجم الأوروغوياني يتميز بالقوة البدنية الفائقة، والقدرة على اللعب بالرأس، إلى جانب سرعة انطلاقاته في المساحات، وهي صفات تفتقدها معظم الفرق الآسيوية، مما قد يجعل الهلال أكثر تفوقًا في المواجهات القارية. المدرب إنزاغي عبّر عن حماسه للصفقة مؤكدًا أن نونيز سيكون “السلاح الجديد” في منظومته الهجومية، وأنه يمتلك القدرة على حسم المباريات الكبرى.
من جهة أخرى، هذه الصفقة تُعزز من مكانة الهلال في سوق الانتقالات العالمي، وتؤكد أن المشروع الرياضي السعودي يسير بخطى ثابتة نحو جعل الدوري المحلي من بين الأفضل عالميًا. كما أنها ترفع من القيمة التسويقية للنادي وللدوري عمومًا، إذ ستجذب جماهير أوروغواي وأمريكا الجنوبية لمتابعة مباريات الهلال، ما يعني زيادة في نسب المشاهدة والرعايات التجارية.
أما نونيز نفسه فقد صرح في أول مقابلة له بعد التوقيع، أنه اختار الهلال “عن قناعة تامة”، مشيرًا إلى إعجابه بتاريخ النادي وإنجازاته، وإلى رغبته في المساهمة بتحقيق المزيد من البطولات. وأضاف أنه تابع مباريات الهلال في كأس العالم للأندية الأخيرة، وأنه تأثر بالأجواء الجماهيرية والدعم الكبير الذي يحظى به الفريق من مشجعيه.
ختامًا، يمكن القول إن صفقة داروين نونيز إلى الهلال لم تكن مجرد انتقال لاعب كبير إلى نادٍ سعودي، بل كانت خطوة مدروسة تمثل فصلًا جديدًا في مسيرة الكرة السعودية نحو العالمية. نونيز سيجد نفسه أمام تحدٍ جديد لا يقتصر على تسجيل الأهداف فقط، بل على أن يكون أحد الأعمدة التي تبني مجد الهلال القادم، في وقت يواصل فيه النادي الأزرق رسم مسارٍ طموح يجمع بين الحاضر القوي والمستقبل المشرق.
صفقة بهذا الحجم تعكس الطموح السعودي المتزايد لجعل دوري روشن محط أنظار العالم، وتجعل من الهلال رائدًا في مشروع تطوير كرة القدم على المستويين المحلي والقاري، في انتظار أن يثبت نونيز على أرض الملعب أن كل هذه الضجة كانت في محلها.

تعليقات
إرسال تعليق
شاركنا رأيك