تحليل الجولة الثالثة من دوري روشن السعودي للمحترفين 2025-2026
اختُتمت الجولة الثالثة من دوري روشن السعودي وسط أجواء حماسية وندية كبيرة بين الأندية، حيث واصلت المنافسة على الصدارة اشتعالها المبكر بين الكبار، خصوصًا بين الهلال والنصر والاتحاد، في حين بدأت ملامح القوة والضعف تظهر بوضوح في بقية الفرق. الجولة الثالثة حملت في طياتها الكثير من المفاجآت، أهدافًا غزيرة، تألقًا لنجوم الأجانب، وخيبة لبعض الفرق التي لم تتمكن من تحقيق الانتصار بعد.
الدوري هذا الموسم يبدو أكثر سخونة من أي وقت مضى، ليس فقط بسبب الأسماء الكبيرة التي تعج بها الفرق، بل لأن المستوى التكتيكي والفني ارتفع بشكل غير مسبوق، مما جعل كل مباراة تبدو وكأنها نهائي مصغر.
الهلال: ثبات على القمة بأداء هجومي متكامل
واصل الهلال عروضه القوية في الجولة الثالثة، وقدم واحدة من أكثر مبارياته تكاملًا على المستويين الفني والتكتيكي، بعدما تمكن من تحقيق فوز مهم أمام فريق التعاون بثلاثة أهداف مقابل هدف.
المدرب الإيطالي سيموني إنزاغي أظهر مرة أخرى قدرته على إدارة المباريات بحنكة عالية، حيث اعتمد على التدوير الذكي دون التأثير على الأداء الجماعي للفريق.
أظهر الهلال تنوعًا هجوميًا لافتًا، إذ جاءت أهدافه من تنقل سريع للكرة بين الخطوط الثلاثة، مع تفوق واضح في الأطراف بوجود ميشيل ديلغادو وسافيتش، في حين واصل ألكسندر ميتروفيتش تألقه التهديفي المعتاد بتسجيله هدفًا وصناعته آخر.
الهلال بهذا الفوز رفع رصيده إلى تسع نقاط كاملة من ثلاث مباريات، مسجلًا ثمانية أهداف ومستقبلًا هدفين فقط، ليؤكد أنه المرشح الأبرز للقب، وأن التغييرات التي أحدثها إنزاغي أعطت الفريق طابعًا أوروبيًا في التنظيم والانضباط التكتيكي.
في المقابل، أظهر الهلال مرونة عالية في التبديلات، حيث أشرك نيفيز بدلًا من كويلار في الشوط الثاني لتأمين الوسط، ونجح بذلك في السيطرة على إيقاع المباراة.
أبرز ما يميز الهلال في هذه الجولة كان التحكم في الرتم والقدرة على العودة السريعة عند فقدان الكرة، وهي ميزة جعلته متفوقًا حتى على الفرق التي تلعب على أرضها.
النصر: عودة قوية بقيادة رونالدو وماني
بعد تعثر في الجولة الافتتاحية، عاد النصر بقوة في الجولة الثالثة ليحقق فوزًا ثمينًا على الاتفاق بثلاثة أهداف مقابل هدفين في مباراة مثيرة حتى الدقائق الأخيرة.
البرتغالي كريستيانو رونالدو كان نجم اللقاء بلا منازع، حيث سجل هدفين وصنع الثالث لماني، مؤكدًا أنه ما زال القائد الحقيقي للفريق رغم تقدمه في العمر.
مدرب النصر لويس كاسترو بدأ المباراة بتشكيل هجومي مكوّن من رونالدو وماني وتاليسكا، وفضّل اللعب بخط دفاع متقدم للحد من خطورة الاتفاق، إلا أن الفريق عانى في بعض الفترات من سوء التغطية في العمق الدفاعي.
رغم ذلك، فإن ما قدمه النصر هجوميًا كان مثيرًا للإعجاب، بفضل الانسجام المتزايد بين رونالدو وتاليسكا، إلى جانب عودة ماني لمستواه بعد بداية باهتة في الجولتين الماضيتين.
الفريق أظهر شخصية قوية بعد تأخره في الشوط الأول، وعاد بفضل تماسك خط الوسط بقيادة بروزوفيتش، الذي استعاد السيطرة على الإيقاع وقدم تمريرات دقيقة فتحت المساحات أمام الهجوم.
هذا الانتصار أعاد الثقة للنصراويين ووضع الفريق مجددًا في دائرة المنافسة، خصوصًا أن الأداء الجماعي بدأ يتطور من مباراة لأخرى، ما يشير إلى أن النصر قادم بقوة في الجولات المقبلة.
الاتحاد: تعادل بطعم الخسارة أمام الشباب
في جدة، تعثر الاتحاد أمام ضيفه الشباب بنتيجة 2-2، في مباراة كان بطلها الحارس الشاب لفريق الشباب الذي أنقذ مرماه من عدة فرص محققة في الدقائق الأخيرة.
الاتحاد بدأ المباراة بقوة وتقدم بهدف مبكر عن طريق رومارينيو، لكن الفريق فقد السيطرة تدريجيًا مع مرور الوقت، خصوصًا بعد إصابة كورنادو وخروج بنزيما متأثرًا بالإرهاق.
ظهر الاتحاد في هذه الجولة أقل صلابة من المعتاد، حيث ارتكب الدفاع أخطاء فادحة في التمركز، سمحت للشباب بالعودة إلى اللقاء وتسجيل هدفين سريعين عبر كارلوس جونيور وسالم الدوسري (المنضم حديثًا للفريق العاصمي على سبيل الإعارة).
المدرب نونو سانتو حاول تصحيح الوضع في الشوط الثاني عبر إشراك حمدالله وتنشيط الهجوم، لكن الأداء ظل متذبذبًا، وكأن الاتحاد فقد الإيقاع الذي ميّزه في الجولتين الماضيتين.
نقطة التعادل وإن أبقت الفريق في المراكز المتقدمة، إلا أنها كشفت عن مشكلة في العمق الدفاعي وفي التنظيم الجماعي الذي يحتاج إلى إصلاح سريع قبل الجولات الكبرى القادمة.
الأهلي: تعادل بطعم النصر أمام الوحدة
على ملعب الجوهرة، خرج الأهلي بتعادل مثير أمام الوحدة بنتيجة 2-2 بعد مباراة درامية تقدم فيها الوحدة مرتين، لكن الأهلي رفض الخسارة وعاد في الوقت القاتل.
الأهلي بقيادة ماتياس يايسله واصل اعتماده على اللعب الهجومي المفتوح، لكنه في المقابل يعاني من ثغرات دفاعية واضحة.
رياض محرز كان النجم الأبرز في اللقاء بتسجيله هدف التعادل وصناعته الآخر، وأثبت أنه القلب النابض للفريق الأخضر.
المباراة شهدت تألق فرانك كيسييه في وسط الملعب من حيث القوة البدنية والتغطية الدفاعية، بينما قدم الحارس إدوارد ميندي مستوى متوسطًا وارتكب خطأ في الهدف الثاني.
يايسله أبدى رضاه عن الأداء العام، لكنه أقرّ بوجود مشكلة في التمركز الدفاعي تحتاج إلى علاج سريع إذا ما أراد الفريق المنافسة على المراكز الأربعة الأولى.
رغم التعادل، خرج الأهلي بإيجابيات كثيرة أبرزها روح العودة وعدم الاستسلام، وهي سمة افتقدها الفريق في مواسم سابقة. الفريق يمتلك أدوات هجومية مرعبة، لكن التنظيم الدفاعي ما زال يشكل نقطة ضعف واضحة يجب إصلاحها.
الشباب: بداية استعادة التوازن
بعد بداية كارثية في أول جولتين، ظهر الشباب بشكل مختلف في الجولة الثالثة ونجح في اقتناص نقطة مهمة من الاتحاد في جدة.
الفريق قدّم مباراة كبيرة على المستوى التكتيكي، مع انضباط دفاعي وشجاعة هجومية. المدرب المؤقت اعتمد على أسلوب دفاع المنطقة مع التحول السريع، واستفاد من سرعة كارلوس جونيور وسالم الدوسري في المرتدات.
الأداء الجماعي تحسن بشكل واضح، خصوصًا في وسط الميدان بفضل عودة بانيغا إلى مستواه، ما منح الفريق القدرة على الاستحواذ في فترات من اللقاء.
التعادل أمام أحد كبار الدوري قد يكون نقطة انطلاق للشباب نحو تحسين وضعه في الجدول بعد بداية مخيبة.
التعاون والفتح: استمرار الأداء المتوازن
فريق التعاون رغم خسارته أمام الهلال، إلا أنه خرج بأداء مشرف أمام متصدر الدوري، حيث شكل تهديدًا حقيقيًا في بعض فترات اللقاء بفضل تنظيمه العالي.
المدرب الهولندي بيتر ماسو اعتمد على اللعب الجماعي وغلق المساحات، لكن الفارق في جودة الأفراد رجّح كفة الهلال. التعاون يبقى أحد الفرق التي تقدم كرة متوازنة وتحافظ على هويتها الفنية منذ المواسم الماضية.
أما الفتح فاستمر في تقديم مستويات مستقرة، وحقق فوزًا مهمًا على الرائد بهدفين دون رد، ليؤكد أنه فريق منظم ويمتلك هوية واضحة مع المدرب دونيس.
الفتح يمتاز بانضباط دفاعي عالٍ وبقدرة على استغلال الفرص، وهو ما جعله يحافظ على مكانه في منتصف الترتيب دون ضغوط.
الاتفاق والفيحاء: مباراة مثيرة انتهت بالتعادل
في الدمام، انتهت مباراة الاتفاق والفيحاء بتعادل إيجابي 2-2 في مواجهة شهدت تقلبات كثيرة وأداءً قويًا من الطرفين.
الاتفاق بقيادة ستيفن جيرارد أظهر نية هجومية واضحة، لكنه عانى من تراجع اللياقة في الشوط الثاني. في المقابل، أثبت الفيحاء أنه خصم عنيد لا يستسلم بسهولة بفضل الروح العالية التي يلعب بها.
هذه المباراة أكدت أن الاتفاق يملك مشروعًا واعدًا لكنه بحاجة إلى توازن أكبر بين الهجوم والدفاع، خاصة في فترات متأخرة من اللقاء.
أبها والحزم: صراع النجاة المبكر
شهدت الجولة الثالثة واحدة من أكثر المباريات حماسًا بين أبها والحزم، وانتهت بفوز أبها بثلاثة أهداف مقابل هدفين في مباراة مثيرة حتى اللحظات الأخيرة.
الفريقان قدّما عرضًا قويًا رغم ضعف الأسماء مقارنة بالكبار، وشهد اللقاء تألق المهاجم سعد بقير الذي سجل هدفين وكان نجم المباراة الأول.
الفوز منح أبها دفعة معنوية كبيرة للخروج من مناطق الخطر، بينما واصل الحزم معاناته بعد ثلاث هزائم متتالية.
الوحدة والرائد والباطن: بدايات متذبذبة
فريق الوحدة أظهر شجاعة كبيرة أمام الأهلي رغم فقدانه نقطتين في اللحظات الأخيرة، لكنه بحاجة إلى ثبات أكبر في الأداء، خاصة في الدفاع.
أما الرائد فخسر للمرة الثالثة على التوالي، في بداية تُنذر بموسم صعب ما لم يتم تعديل المسار سريعًا.
المدرب واجه انتقادات لاذعة من الجماهير بسبب الأسلوب الدفاعي المبالغ فيه، الذي لم يحقق أي نتائج إيجابية حتى الآن.
الباطن من جانبه خرج بتعادل سلبي أمام الطائي في مباراة متواضعة المستوى، لكنه حصد أول نقطة له في الموسم، ما قد يشكل دافعًا معنويًا للخروج من القاع.
النجوم الأجانب: التأثير الواضح يواصل التنامي
الجولة الثالثة أكدت مرة أخرى أن النجوم الأجانب يصنعون الفارق الحقيقي في الدوري السعودي.
رونالدو، سافيتش، محرز، ميتروفيتش، وكيسييه، جميعهم كانوا حاسمين في نتائج فرقهم.
التأثير لم يقتصر على الأهداف فحسب، بل امتد إلى الحضور القيادي داخل الملعب ونقل الخبرة لبقية اللاعبين المحليين.
في المقابل، لفت عدد من اللاعبين المحليين الأنظار مثل عبدالإله المالكي في الهلال، وعبدالرحمن غريب في الأهلي، وسالم الدوسري الذي تألق بقميص الشباب في أول ظهور له.
قراءة تكتيكية للجولة الثالثة
من الناحية التكتيكية، تميزت الجولة الثالثة بارتفاع نسق اللعب في معظم المباريات، حيث بلغ معدل الأهداف أكثر من ثلاثة أهداف في المباراة الواحدة.
أغلب الفرق الكبيرة باتت تعتمد على أسلوب البناء المنظم من الخلف والضغط العالي، وهي سمة تؤكد تطور الفكر التدريبي في الدوري.
كما لوحظ اعتماد المدربين على التدوير بشكل أكبر بسبب ضغط المباريات، مع ظهور تكتيكات هجومية متنوعة بين 4-3-3 و3-5-2 و4-2-3-1.
الدفاع كان الحلقة الأضعف في معظم الفرق، وهو ما يفسر كثرة الأهداف، لكن ذلك جعل المباريات أكثر متعة وإثارة للجماهير.
ختام الجولة: الترتيب والمشهد العام
بنهاية الجولة الثالثة، حافظ الهلال على الصدارة بالعلامة الكاملة، يليه النصر والاتحاد في المراكز التالية بفارق بسيط من النقاط، بينما بدأ الأهلي يقترب تدريجيًا من المربع الذهبي.
في المقابل، تقبع فرق الحزم والرائد والباطن في مؤخرة الترتيب بلا انتصارات، ما يجعل الضغط الجماهيري والإداري يتزايد عليها مبكرًا.
الجولة الثالثة أرسلت رسالة واضحة: المنافسة هذا الموسم لن تكون سهلة على الإطلاق، فكل فريق قادر على مفاجأة الآخر، وكل نقطة قد تصنع الفارق في نهاية المشوار.
الهلال يبدو الأكثر توازنًا وقوة حتى الآن، لكن النصر والاتحاد يملكان الإمكانيات للعودة والمنافسة حتى الرمق الأخير، فيما قد يكون الأهلي الحصان الأسود إذا استمر في تصاعد مستواه.
الخلاصة
الجولة الثالثة من دوري روشن أكدت أن الدوري السعودي بات من أقوى الدوريات في المنطقة، سواء من حيث الجودة الفنية أو الحضور الجماهيري أو الزخم الإعلامي.
التنافس لا يقتصر على الأندية الكبرى، بل أصبح يمتد إلى كل الفرق التي باتت تقدم كرة جميلة وشجاعة.
المدارس التدريبية الأوروبية واللاتينية التي تملأ ملاعب المملكة أضافت بعدًا جديدًا في التحليل الفني، وجعلت من كل مباراة درسًا تكتيكيًا يستحق المتابعة.
في المحصلة، يمكن القول إن هذه الجولة كانت مرآة حقيقية لتطور الكرة السعودية، حيث امتزجت المهارة بالروح، والاحترافية بالندية، ليخرج المشهد في النهاية ببطولة تليق بمكانة الدوري السعودي في العالم.

تعليقات
إرسال تعليق
شاركنا رأيك