بعد ستة أعوامٍ قضيتها في خدمة الكيان الهلالي، يملؤني الفخر والامتنان وأنا أكتب هذه الكلمات التي تحمل في طياتها مشاعر الصدق والوفاء، والإحساس بالمسؤولية تجاه نادٍ علَّمني أن القيادة ليست امتيازًا بل التزامًا، وأن النجاح لا يُقاس فقط بعدد البطولات بل بما تتركه من أثر في القلوب والعقول.
أعلن اليوم، بكل هدوء وثقة، أنني لن أترشح لرئاسة نادي الهلال للدورة القادمة، بعد أن رأيت أن الوقت قد حان لتسليم الراية، وإتاحة الفرصة لطاقات جديدة تحمل الشغف نفسه، وتواصل العمل من أجل مستقبل هذا الكيان العظيم.
منذ أن تشرفت برئاسة نادي الهلال في يونيو من عام 2019، كنت مدركًا أن الطريق لن يكون سهلاً، وأن التحديات ستكون كثيرة، لكن ما كان يمنحني القوة دائمًا هو الإيمان بالهدف، والثقة بجمهور لا يعرف المستحيل، وفريقٍ يقاتل من أجل الشعار قبل أي شيء.
ستة أعوام كانت مليئة بالعمل والتخطيط، بالفرح والضغوط، بالإنجازات التي تكتب في التاريخ، وباللحظات التي اختبرت فيها صبرنا وإصرارنا.
في هذه السنوات، لم يكن الهلال مجرد نادٍ رياضي، بل كان مشروعًا متكاملاً للتفوق والإبداع، يجمع بين الرياضة والإدارة والاستثمار والهوية، ويحمل اسم الوطن في كل محفل قاري ودولي.
خلال فترة رئاستي، وفقنا الله لتحقيق عددٍ كبير من البطولات التي ستظل خالدة في ذاكرة كل هلالي، ومن بينها بطولتان لدوري أبطال آسيا (2019 و2021)، وأربع بطولات دوري سعودي للمحترفين، إلى جانب بطولات كأس الملك وكأس السوبر وكأس الاتحاد.
لكن الإنجاز الأكبر بالنسبة لي لم يكن فقط في الألقاب، بل في بناء منظومة احترافية متكاملة، تمتد من الفريق الأول إلى الفئات السنية، وتعتمد على رؤية واضحة في التعاقدات، والتطوير، والاستدامة المالية والإدارية.
الهلال اليوم ليس فقط فريقًا يفرح جماهيره داخل المستطيل الأخضر، بل مؤسسة نموذجية في العمل الرياضي، تجذب الأنظار محليًا ودوليًا، وتؤكد أن النجاح الحقيقي يقوم على التخطيط والانضباط، وليس على الصدف أو العواطف.
لقد كانت رحلتنا مليئة بالتحديات، لكن ما تحقق للهلال من تطور في البنية التحتية والإدارة والنتائج يجعلني مطمئنًا إلى أن النادي يسير في الطريق الصحيح، وأن المستقبل سيكون بإذن الله أكثر إشراقًا.
قرار عدم ترشحي لم يكن وليد لحظة، بل هو نتيجة تفكير عميق وتأمل في المرحلة القادمة.
رأيت أن كل مرحلة في الحياة يجب أن تُختم وهي في أوجها، وأن القائد الحقيقي هو من يعرف متى يترجل ليمنح غيره فرصة الإضافة والبناء.
لقد أعطاني الهلال أكثر مما أعطيت، ومن الواجب أن أرده له بطريقة تليق به، بأن أترك الساحة لمن يملك نفس العزيمة والشغف، فيواصل المسيرة ويضيف فصولاً جديدة من المجد.
أعلم أن جماهير الهلال ستتساءل، وستحمل في قلوبها مشاعر الوفاء التي عهدناها، لذلك أقول لهم بكل محبة: أنتم السر الحقيقي في كل نجاح.
أنتم من جعل الهلال أكبر من أي شخص، ومن حافظ على وهجه في كل زمان ومكان.
أنتم الوقود الذي لا ينضب، والصوت الذي لا يخفت، والعون الذي لا يتوقف.
لقد كنت دائمًا أردد في الاجتماعات واللقاءات أن الهلال يعيش بجمهوره، ويكبر بحبه، ويستمد قوته من إخلاصه.
إلى نجومنا داخل الميدان، الذين حملوا شعار الهلال في أصعب الظروف وأقسى المواجهات، أقول: شكرًا لكم من القلب.
أنتم من صنع الفارق في كل لحظة، أنتم من جعل الألقاب واقعًا، وجعلتم من الهلال حديث العالم في البطولات القارية والدولية.
أنتم الجيل الذي أعاد للأزرق هيبته، ورفع رايته في كل محفل، وحقق أحلام الملايين.
وللجهازين الفني والإداري، والعاملين خلف الكواليس، أقول: ما تحقق لم يكن ليتحقق دونكم.
لقد كنتم الجنود المجهولين الذين يعملون بصمت، ويفكرون بمسؤولية، ويسهرون من أجل أن يبقى الهلال في القمة دائمًا.
أشكر كذلك شركاء النجاح من أعضاء الشرف، والداعمين، والرعاة، الذين آمنوا بالمشروع وقدموا الدعم المالي والمعنوي ليكون الهلال دائمًا في مقدمة الأندية.
كما أرفع شكري الجزيل إلى وزارة الرياضة، وعلى رأسها صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن تركي الفيصل، على ما قدموه من دعم وتمكين، وعلى السياسات الحديثة التي جعلت الأندية السعودية في مصاف الكيانات العالمية من حيث التنظيم والاستثمار.
ولأن الهلال لا يعرف التوقف، فإنني أعلن دعمي الكامل للقيادة القادمة، أيًا كان اسمها، وأؤكد أنني سأظل مشجعًا ومحبًا وعضوًا داعمًا كما كنت، لأن العلاقة مع الهلال لا تنتهي بانتهاء منصب، بل هي ارتباط أبدي بالكيان.
سأكون دائمًا قريبًا من هذا النادي العظيم، أفرح لفرحه، وأسانده في كل خطوة، وأثق أن من سيقود الهلال بعدي سيواصل العمل بروح الفريق الواحد التي عهدناها جميعًا.
أعلم أن الطريق أمام من سيأتي ليس سهلاً، لأن سقف التطلعات في الهلال دائمًا مرتفع، لكنني على يقين أن ما بُني خلال السنوات الماضية سيكون قاعدة صلبة تُسهل مواصلة النجاح وتحقيق الطموحات الجديدة.
لقد وضعنا أساسًا قويًا في البنية التحتية، وفي تطوير الأكاديمية، وفي إدارة الموارد المالية، وفي تنمية العلامة التجارية للنادي.
كل هذه الجهود لم تكن لمرحلة مؤقتة، بل لخطة طويلة المدى هدفها أن يكون الهلال ناديًا عالميًا مستدامًا على كل المستويات.
أقول للجماهير مجددًا: لا تقلقوا على الهلال، فالهلال دائمًا بخير، ما دام خلفه جمهور وفيّ، وما دامت مبادئه ثابتة.
لقد واجه هذا الكيان عبر تاريخه الطويل العديد من التحديات، وخرج منها أقوى، لأنه دائمًا ينهض من كل عثرة، ويعود ليعتلي المنصات.
فمن المنصة 59 إلى المنصة 70، كان شعارنا دائمًا: "الهلال لا يشبه أحدًا، والهلال لا يتوقف".
اليوم، وأنا أكتب آخر سطور هذه المرحلة من حياتي، أشعر بمزيج من الحزن والاعتزاز.
الحزن لأن الوداع صعب، والاعتزاز لأن ما تحقق يستحق الفخر.
فالهلال في عهدي لم يكن ناديًا يبحث عن بطولة واحدة، بل مؤسسة تصنع المجد باستمرار، وتُعزز مكانة الكرة السعودية في كل المحافل.
في الختام، أحمد الله على التوفيق الذي رافقني في كل خطوة، وأسأله أن يوفق الهلال في كل ما هو قادم.
وسأبقى كما كنت منذ طفولتي، مشجعًا عاشقًا للأزرق، أتابع مبارياته بشغف، وأفرح لانتصاراته وكأنني ما زلت في مقعد القيادة.
رحلتي مع الرئاسة انتهت، لكن علاقتي بالهلال لا تنتهي.
شكرًا لكل من وثق بي، وشكرًا لكل من عمل معي، وشكرًا لكل من انتقد بحب وساهم في تطوير العمل.
شكرًا لجمهورنا العظيم، فأنتم الثابت ونحن الراحلون، وأنتم الدائمون في قصة الهلال الخالدة.

تعليقات
إرسال تعليق
شاركنا رأيك